سيد قطب

1891

في ظلال القرآن

الجزء الثاني عشر * ويحسن أن نذكر أن أعداء هذا الدين ، الذين يعرفون مواضع القوة في طبيعته وحركته ؛ وهم الذين يقول اللّه تعالى فيهم : « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ » * . . لم يفتهم أن يدركوا أن التجمع على أساس العقيدة سر من أسرار قوة هذا الدين ، وقوة المجتمع الإسلامي الذي يقوم على هذا الأساس . . ولما كانوا بصدد هدم ذلك المجتمع أو إضعافه إلى الحد الذي يسهل عليهم السيطرة عليه ؛ وشفاء ما في صدورهم من هذا الدين وأهله ؛ ولاستغلالهم كذلك واستغلال مقدراتهم وديارهم وأموالهم . . لما كانوا بصدد تلك المعركة مع هذا المجتمع لم يفتهم أن يوهنوا من القاعدة التي يقوم عليها ؛ وأن يقيموا لأهله المجتمعين على إله واحد ، أصناما تعبد من دون اللّه ، اسمها تارة « الوطن » واسمها تارة « القوم » واسمها تارة « الجنس » . وظهرت هذه الأصنام على مراحل التاريخ تارة باسم « الشعوبية » وتارة باسم « الجنسية الطورانية » وتارة باسم « القومية العربية » وتارة بأسماء شتى ، تحملها جبهات شتى ، تتصارع فيما بينها في داخل المجتمع الإسلامي الواحد القائم على أساس العقيدة ، المنظم بأحكام الشريعة . . . إلى أن وهنت القاعدة الأساسية تحت المطارق المتوالية ، وتحت الإيحاءات الخبيثة المسمومة ؛ وإلى أن أصبحت تلك « الأصنام » مقدسات يعتبر المنكر لها خارجا على دين قومه ! أو خائنا لمصالح بلده ! ! ! وأخبث المعسكرات التي عملت وما زالت تعمل في تخريب القاعدة الصلبة التي كان يقوم عليها التجمع الإسلامي الفريد في التاريخ . . كان هو المعسكر اليهودي الخبيث ، الذي جرب سلاح « القومية » في تحطيم التجمع المسيحي ، وتحويله إلى قوميات سياسية ذات كنائس قومية . . وبذلك حطموا الحصار المسيحي حول الجنس اليهودي ؛ ثم ثنوا بتحطيم الحصار الإسلامي حول ذلك الجنس الكنود ! وكذلك فعل الصليبيون مع المجتمع الإسلامي - بعد جهد قرون كثيرة في إثارة النعرات الجنسية والقومية والوطنية بين الأجناس الملتحمة في المجتمع الإسلامي . . ومن ثم استطاعوا أن يرضوا أحقادهم الصليبية القديمة على هذا الدين وأهله . كما استطاعوا أن يمزقوهم ويروضوهم على الاستعمار الأوروبي الصليبي . وما يزالون . . حتى يأذن اللّه بتحطيم تلك الأصنام الخبيثة الملعونة ؛ ليقوم التجمع الإسلامي من جديد ، على أساسه المتين الفريد . . * وأخيرا فإن الناس ما كانوا ليخرجوا من الجاهلية الوثنية بكلياتهم حتى تكون العقيدة وحدها هي قاعدة تجمعهم . ذلك أن الدينونة للّه وحده لا تتم تمامها إلا بقيام هذه القاعدة في تصورهم وفي تجمعهم . يجب أن تكون هناك قداسة واحدة لمقدس واحد ، وألا تتعدد « المقدسات » ! ويجب أن يكون هناك شعار واحد ، وألا تتعدد « الشعارات » ويجب أن تكون هناك قبلة واحدة يتجه إليها الناس بكلياتهم وألا تتعدد القبلات والمتجهات . . إن الوثنية ليست صورة واحدة هي وثنية الأصنام الحجرية والآلهة الأسطورية ! إن الوثنية يمكن أن تتمثل في صور شتى ؛ كما أن الأصنام يمكن أن تتخذ صورا متعددة ؛ وآلهة الأساطير يمكن أن تتمثل مرة أخرى في المقدسات والمعبودات من دون اللّه أيا كانت أسماؤها . وأيا كانت مراسمها . وما كان الإسلام ليخلص الناس من الأصنام الحجرية والأرباب الأسطورية ، ثم يرضى لهم بعد ذلك أصنام الجنسيات والقوميات والأوطان . . وما إليها . . يتقاتل الناس تحت راياتها وشعاراتها . وهو يدعوهم إلى اللّه وحده ، وإلى الدينونة له دون شيء من خلقه ! لذلك قسم الإسلام الناس إلى أمتين اثنتين على مدار التاريخ البشري . . أمة المسلمين من أتباع الرسل -